والله العظيم ثلاثة، هذه ليست صحيفة (الأهرام) التى نعرف قيمتها وقدرها، هذه مرحلة سوداء فى تاريخها وستعبر ولن يذكرها أحد بخير. أرجوكم ألا تحزنوا يا عشاق (الأهرام)، فرئيس التحرير الذى وصف يوم ميلاد الرئيس مبارك بأنه «يوم وُلِدت مصر من جديد»، من الطبيعى تماما أن ينشر سلسلة مقالات لأمين تنظيم الحزب الوطنى بشكل لا يليق إلا بمجلة حائط تعبانة يعلقها الحزب الوطنى فى أضأل مقاره شأنا.
والله لم يكن أحد سيعترض لو كانت تلك المقالات قد نشرت ملحوقة أو مسبوقة بجملة تقول «إعلان تسجيلى من شركات حديد عز»، ولم يكن الكثيرون من عشاق الأهرام سيصابون بكل هذا الأسى لو كانت قد أدارت الأمر عقلية صحفية قادرة على إدارة التوازنات السياسية، تعرف تقاليد الصحيفة التى تنتمى إليها، وتدرك كيف استطاعت، على مر السنوات، أن تحافظ على وقارها وتقاليدها حتى مع كونها لسان حال للحكومات المتعاقبة قبل وبعد تأميم الصحافة.
صدقونى، لو كان هناك صحفى «حرفجى» يرأس تحرير الأهرام لأخرج الموضوع بشكل «شيك»، ربما كان قد دعا أحمد عز إلى حوار صحفى شامل يعبر فيه عن آرائه ويتم فتح باب الردود والتعليقات عليه، ربما كان قد دعا عز، بصحبة عدد من ممثلى التيارات السياسية المختلفة، إلى كتابة مقالات حول تقييم التجربة الانتخابية، لتُنشر بالتزامن والتساوى حفاظا على سمعة الأهرام وصورته وتقاليده.
لقد قرأت الكثير من التعليقات الرائعة التى حاولت أن تفضح المنطق الذى تحدث به أحمد عز، وترد على ما قدمه من أرقام وبيانات وإحصائيات، ومع تقديرى لكل ما قام به كُتّابها من مجهود مخلص، أود أن يقبلوا منى ملاحظة قد تبدو هامشية، وهى أن الخطورة الحقيقية فى الأمر لا تكمن فيما قاله أحمد عز، بل فى الطريقة التى تحدث بها.
الخطورة الحقيقية أن أحمد عز قرر أن يلعب كل الأدوار فى الفيلم السياسى، لعله قال لنفسه: إذا كنت قد وجدت من يسمح لى «فى بروجرام واحد» بلعب أدوار رجل الأعمال والسياسى الحزبى والبرلمانى الذى يشرع القوانين ويراقب الحكومة التى يتعامل معها تجاريا واقتصاديا، فلماذا لا ألعب بالمرة دور الكاتب الصحفى الذى يقيم ويعلق ويحلل ويناقش. لا وأين فعل ذلك؟،
ليس فى صحيفة خاصة يستطيع أن يشترى فيها صفحات مدفوعة الأجر لكى يكتب فيها بفلوسه، بل فى أعرق صحيفة يمتلكها الشعب المصرى، ويُفترض أن تكون معبرة عن كل فئاته وأطيافه واتجاهاته. باختصار أحمد عز يريد أن يكون الشعب والحكومة، يريد أن يكون المال والسلطة والضمير والعقل والنقد والحل والعقد، ومن الآخر الحق ليس عليه، بل على من سمح للأمور بأن تصغر وتتقزم إلى هذا الحد.
للأسف الاحتكار يا سادة عقلية وثقافة، وعندما يتعود الإنسان على ممارسته دون ضابط ولا رادع، فمن العبث أن توقفه عند حده، من الهطل أن تذكره بأن قوتك ليست فى أن تحجب الهواء عن خصومك، بل فى أن تتيح لهم أكبر قدر ممكن من الهواء ليس مثالية منك أو ترفعاً أو فروسية، بل إدراكا للمصلحة بالمفهوم السياسى البحت النفعى.
صدقونى، من العبث تذكير رجل يتعامل مع السياسة على أنها صفقة لا تقبل الشراكة، ببديهيات سياسية من نوعية أنك تقوى كسياسى عندما يقوى خصومك، أنك فى خطر حقيقى عندما تدفع أعداءك لمواجهتك تحت الأرض.
أنك فى أزمة عندما تنهك قوة الدولة بمعارك مع الجميع، أنك ترتكب كارثة عندما تحتكر النصر، وحتى إذا كنت تصدق أنك منتصر بمجهودك وبطولتك فدع الخاسر يأخذ حتى فرصته كاملة فى الجأر بالشكوى من الخسارة. ليس عندى اعتقاد أن رأيى مهم أو أن أحدا يمكن أن يسمعه،
لكننى أقوله لكى أرضى ضميرى، والأرزاق على الله، صدقونى عندما أقول لكم بحكم خبرتى المتواضعة كقارئ لتاريخ هذه البلاد، ومستعد للتدليل على ما أقول بعشرات الأمثلة، إنه دائما كان هناك فى مصر ظلم وفساد واستبداد وفقر، لكن دائما أيضا كان هناك من يوقف الأمور عند حدها، دائما كان هناك رجل رشيد يقول: لا، كده زيادة، كده كتير، دائما كنت تجد فى قلب دوائر الحكم رجلا ينطق بتلك الكلمة العبقرية التى اشتقنا إليها كثيرا، كلمة: «مايصحش». وللأسف مشكلة مصر أنها تفتقد مثل ذلك الرجل الآن.
No comments:
Post a Comment