بقلم: ياسر عبد العزيز
منذ نجحت الثورة، فى موجتها الأولى، فى إطاحة مبارك مساء يوم 11 فبراير الماضى، لم يعد ميدان التحرير كما كان أبداً.
اليوم مرت عشرة شهور من عمر الثورة، لكن الحنين يتصاعد للميدان كما كان فى سيرته الأولى، والأشواق تتدافع كلما مرت خواطره أو رُويت مآثره، والشعور بالمرارة يتزايد كلما انحرفت الثورة، ومعها المجتمع والدولة، عن قيمه ومبادئه.
كان الميدان مرآة تعكس أفضل صورة للمصريين عن أنفسهم.. صورتهم التى يحبون أن يكون عليها أولادهم، وأن يلاقوا بها ربهم، وأن يعلقوها على جدران الذكرى.
شبان فى عقود الطاقة المتدفقة والأحلام المحلقة، من أبناء الطبقة الوسطى، الذين يسكنون المدن، ويعرفون العالم، ويريدون أن يكون بلدهم جزءاً مهماً منه.. كانوا يمثلون قاطرة تلك الثورة وبنيتها الأساسية ووقودها ووجدانها ودماءها النازفة عند الطلب.
عند الاستشهاد كان شباب الثورة أغلبية.. علينا أن نراجع الأسماء والأعمار، وسنعرف مباشرة من الذى ضحى بدمه لنعيش جميعاً بكرامة ونتحلى بالأمل.
اليوم.. لا تظهر أسماء الشباب بين أعضاء البرلمان، أو الحكومة، أو المجلس الاستشارى.
كان خطيب الجمعة يخطب فى الميدان، فى الأيام الزاهرة، قائلاً: «يا أيها المصريون.. يا أيها المسلمون.. يا أيها المسيحيون»، فيما الكاهن يصب ماء الوضوء على أخيه المسلم ليلحق بالصلاة، قبل أن يصطف المسلمون مشكلين درعاً تحمى إخوتهم المسيحيين لحظة القداس.
اليوم.. تأخذنا الثورة إلى انتخابات يصوت فيها المصريون على أساس طائفى، وتحشد كنيستهم الأصوات فى جانب، ويحض شيوخهم على التصويت للمسلم وليس لـ «العلمانى أو الليبرالى أو المسيحى الكافر».
«عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية»، كانت تلك مطالب الثورة، وكان ذلك هو شعارها الرئيس.. لطالما كان الانحياز لمن يحتاج إلى الخبز اقتراباً يسارياً فى الأساس، لعله أيضاً يسار الوسط.. يسار مصرى، يرتبط بنسق اجتماعى محافظ، ولا يخاصم النزعة الدينية الراسخة فى الوجدان الجمعى، ولذلك فإنه يشدد على «العدالة الاجتماعية»، بوصفها هدفاً لا يمكن أن يتحقق بآليات السوق اليمينية، ولا يمكن أن تكون هناك حرية أو كرامة إنسانية من دونه.
اليوم.. ترث الثورة تيارات شديدة اليمينية عبر الانتخابات، وهى تيارات شديدة الإخلاص لاقتصاد السوق، ولا ترى فى قواعد اقتصادنا الكلى إشكالاً سوى كونها تنطوى على «معاملات ربوية».
على مدى الأيام الـ 18 المجيدة، لم يُرفع فى الميدان سوى علمنا الوطنى المفدى.. علم أقدم وأرسخ وأعرق دولة فى التاريخ، يعلن وحدتنا الأهلية، ويؤكد فخرنا الوطنى، ويعكس إدراكنا لمكانتنا ودورنا فى العالم والإقليم.
اليوم.. تُرفع الأعلام الغريبة فى مليونيات ملتبسة.. وتُستدعى النماذج من «كل من هب ودب»، وكأن مصر التى ألهمت العالم بـ«الدين» و«الدولة» و«الحضارة» لا تخطو خطوة إلا اقتداء بهذا أو ذاك.
اليوم.. باتت «الدولة الوطنية» التى رُفع علمها وحده فى الميدان فى الأيام الزاهرة محل تساؤل ونظر. هل نقيم الدولة أم نقيم الدين؟ وهل يقودنا رئيس أم مرشد؟ وهل هدفنا الوطن أم الخلافة؟
كانت تلك الثورة حداثية بامتياز.. حداثية فى الطريقة التى حشدت بها ثوارها، والطريقة التى عبرت بها عن ذاتها، والطريقة التى أسقطت بها الموجة الأولى من الطغيان، والطريقة التى فكرت بها فى العالم والمستقبل.
اليوم.. تقودنا تلك الثورة الحداثية إلى أسئلة من نوع «هل يحق للمرأة القيادة؟»، «هل سنسمح للسائحات بارتداء المايوه؟»، «كيف يمكن أن تكون سياحة الشاطئ شرعية؟»، «هل يمكن أن نصوت لمرشح ليبرالى فى الانتخابات؟».
كانت إذن ثورة شباب، تنزع نحو الحداثة، وتكرس الوحدة الوطنية فى أزهى صورها، وترسخ الفخر الجمعى بالدولة الوطنية العريقة القادرة، وتتخذ وجهة يسارية، تستهدف تحقيق العدالة الاجتماعية، لإدراك الحرية والكرامة الإنسانية.
لكن شهوراً عشرة مضت، فإذا بالحداثة تنقلب ماضوية ارتدادية، والسلم الأهلى يتزعزع، والدولة الوطنية تصبح مفهوماً خاضعاً للمراجعة، والمنحى اليسارى ينقلب يمينية مفرطة.. أما الشباب فيتوزعون على اعتصامات متفرقة، بعيداً عن الميدان الأساس، أو ما قاد إليه من أطر سياسية.
تلك ثورة فى حاجة إلى ثورة.. أو إلى عودة أصحاب جذوتها الأولى إلى الحشد واليقظة والرشد، ليستعيدوا الزخم، ويبنوا توافقاً على قيادة تقودهم إلى إنقاذ ما تبقى منها، وتأخذها إلى السياسة، قبل أن تذبل تماماً، وتصبح محض ذكرى وطلل.

1 comment:
Jomato Casino to open a sports betting lounge in Mohegan
Jomato Casino has announced the release of its sports betting lounge, 속초 출장샵 Jomato 화성 출장안마 Casino. The facility 포항 출장샵 will 충청북도 출장샵 be open 24/7. 속초 출장마사지
Post a Comment