بقلم نهي خالد
هو إختزال كبير أن نقول أن الثورة غيّرت مصر كما كان الجميع يتمني، فالمجتمع المصري، وأي مجتمع، لا يمكن لثورة أن تغيّره. فالثورة تغيّر قادة المجتمع؛ أولئك الذين اعتلوا سدة الهرم السياسي، ولكنها لا تغيّر المجتمع ذاته. فقمة الهرم السياسي المحدودة في شخص أو حزب معلومين، تسقط حين تتنبّه قطاعات من المجتمع لاستبدادها وتثور في وجهها، وتستطيع حينئذ أن تسقطها، ولكنها يستحيل عليها أن تغيّر مجتمعاً مركّباً بأكمله دارت عجلاته بدولة مستبدة لعقود في نفس الفترة. بنهاية عصر مضى سياسياً واستمرار آثاره اجتماعياً يكون أمام الثورة طريقين، إما أن تبدأ عملية تغيير اجتماعية شاملة تعيد بناء الإنسان وتخلق مجتمعاً صحياً يتناسب مع ما أنجزته الثورة سياسياً، وإما أن تستبدل رؤوساً برؤوس، في حين يظل هيكل الدولة الطاغي على الإنسان، وتبقى ثقافة المجتمع التي تقبّلت الاستبداد وتنتكس معها القطاعات التي قامت بالثورة. هذا المآل الأخير هو ما لا نرجو أن تؤول إليه ثورة مصر، وهو ما تعمل عليه الثورة المضادة، وهى ثورة لا تبغى عودة القمة السياسية للنظام القديم بقدر ما تسعى إلى بقاء ثقافة الاستبداد وزرع قمة جديدة تحافظ على مكتسباتها، وأولئك القائمون عليها ليسوا بالضرورة رؤوس النظام القديم ولكن المنتفعين منه، وهم من شكلوا الطبقة التي تأتي بعد قمة الهرم، وهى طبقة كبيرة، لا يسع للثورة المصرية أن تزيحها في أيام كما فعلت مع القمة، ولكنها تستطيع أن تحاصرها بين قمة فارغة إلا من عماد الدولة وهو الجيش، وقاعدة اجتماعية واسعة تبدأ في اللحاق بقطاعات الثوار لتغيّر ثقافتها، وتقطع الطريق على المنتفعين.
هذان المآلان المعاكسان للثورة المصرية يضعاها اليوم في عمليتين هما تمكين الثورة وتوظيف الثورة. فالقوى الاجتماعية التي تعمل على أن تكون الثورة تغييراً شاملاً، يشمل المجتمع كما شمل السياسة، هى قوى تعمل على تمكين الثورة وضرب جذورها في المجتمع، أما القوى التي تعمل على استمرار المجتمع، أو تستمر بلا وعي في حياتها النفعية، فهى تعمل على توظيف الثورة. أحد أبرز تجليات توظيف الثورة اجتماعياً هى انتشار "سِلَع" الثورة كـ"فول الثورة" و"بوستر شهداء الثورة" ووغير ذلك. هذه الظاهرة ليست بالضرورة تجلٍ لثورة مضادة ولكنها تبرز استمرار عمل قطاع واسع بعقلية ما قبل 25 يناير مستغلة أرضية الشرعية الجديدة بدون أن تعي معناها. على الناحية الأخرى، وأحد أشهر الأمثلة على التوظيف السياسي للثورة، هى ظهور حزب 25 يناير، وهو حزب قيل فيما بعد أن من قام بالدعوة إلى تأسيسه مجموعة من الحزب الوطني، حاولت توظيف الثورة لصالح المنتفعين من النظام القديم. كل تلك تجليات لظاهرة توظيف الثورة، والمشكلة الأساسية فيها أنها تخدع الكثيرين، فتسير في ركاب الثورة والبعض لا يدري بأنها تدفع المجتمع باتجاه معاكس، سواء وعت كمن يقومون بالثورة المضادة، أو لم تعي من طبقات على هامش المجتمع.
أما من يمكّنون للثورة فهم يمكنّون لها على مستويين؛ سياسي يحاول الدخول إلى القمة من أعلى واجتماعي يحاول البناء من القاعدة. على الناحية السياسية هناك قوى بدأت تبني نفسها وتعد العدة لملئ الفراغ الموجود في قمة الهرم السياسي والذي يُتوقع أن يمتلئ بعد الانتخابات النيابية والرئاسية، تلك القوى هى إما قوى قديمة حظرها النظام السابق كجماعة الإخوان المسلمين أو أحزاب كانت تحت التأسيس كحزبي الوسط والكرامة أو حركات مثل كفاية والسادس من إبريل، وإما تشكيلات جديدة خرجت إلى الساحة التي انفتحت أبوابها فجأة كحزب الحرية والعدالة الذي تسعى جماعة الإخوان المسلمين لأن يكون ممثلها الرئيس، وحزب النهضة الذي يعتزم الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح أحد قياديي جماعة الإخوان تأسيسه والاستقالة إدارياً من الجماعة بعده، وهو الحزب الذي أثار ضجة داخل الجماعة بين مؤيد لخروج أكثر من فصيل سياسي من الجماعة ومتمسك بمركزية التمثيل السياسي لها. هناك كذلك الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الذي يضم شخصيات بارزة مثل الدكتور محمد غنيم والدكتور محمد أبو الغار والدكتور عمرو حمزاوي، وهو حزب ليبرالي ذو توجه اجتماعي. واخيراً حزب المصريين الأحرار وهو حزب ليبرالي أسسه رجل الأعمال نجيب ساويرس. تلك هى الأسماء التي تنتظر بدء الانتخابات لتشارك فعلياً لأول مرة في ساحة سياسية حرة، وهى بالطبع ليست كل القوى الجديدة، فالساحة ستعج بعشرات الأحزاب كبيرة وصغيرة حتى تتأسس حياة سياسية مصرية ويتكون فيها تيار رئيسي أو أكثر.
على الناحية الاجتماعية نجد أن تمكين الثورة يتجلى في قوى اجتماعية تقليدية تمتلك شبكاتها على الأرض مثل جماعة الإخوان، وقوى جديدة كائتلافات الشباب تحاول أن تؤسس نواة في الأحياء لنشر الوعي والمساهمة في بث روح الثورة كما جرى من تنظيف للشوارع وإعادة دهان للأرصفة. نظراً لزخم الساحة السياسية بعد الثورة فالعمل الاجتماعي لا يحظى بالاهتمام الأكبر، أو هو ربما يجري من بعض القوى كالجمعيات الخيرية ولكنه ليس واضحاً للجميع أو ليس مؤثراً بما فيه الكفاية ليُحدث تغييراً ملموساً في المدن والأحياء. المعضلة هى أن الجميع يريد اللحاق بركب السباق السياسي حتى يحقق أكبر انتصارات ممكنة بعد الانتخابات، في حين أن الثورة بحاجة إلى تمكين اجتماعي يحفظها على المدى البعيد وليس مجرد تمكين سياسي يؤمن مكتسباتها خلال أعوامٍ عدة، خصوصاً وأن التعددية الحزبية التي يهتم بها الجميع هذه الأيام ليست هى الضمان الرئيس لتمكين الثورة في ظل مجتمع أغلب قطاعاته غير مسيّسة ويستطيع أي نظام استبدادي جديد أن يطيح بكل قواه السياسية الوليدة في أيام. فالمجتمع بالأساس يحتاج إلى من يستمع له ويعمل على إعادة بنائه، وليس فقط إعداده للتوجه إلى صندوق الاقتراع لأن هذا في حد ذاته تمكين كاذب يعمل على توظيف سياسي للطبقات الغير مثقفة باسم الثورة والديمقراطية، فيستغل السياسيون العامة مرة كل عامين أو أربعة لتضع أصابعها في الحبر الفوسفوري وتفتح أبواب الدولة أمامهم في حين يتركوها طوال هذه الأعوام تدور في ساقية النظام الجديد، بغض النظر عن نواياه.
مفهوم تمكين الثورة بالأساس مفهوم اجتماعي يمس العامة الذين يستطيعون تمكين الثورة بعد ذلك سياسياً من قواعد راسخة، أما التمكين السياسي بالدرجة الأولى فهو تمكين للنخبة يفتح لها باب الدولة ويوظّف البقية ويهمشها، وهذا النموذج سارت عليه أغلب الثورات التي لم تُحمَد كل مآلاتها في العصر الحديث من الثورة البلشفية إلى الثورة الإيرانية، إذ اقتصر التغيير فيها على تغيير الدولة وتهميش الإنسان.
إذا هُمِّش الإنسان سقطت الثورة، لأنها بالأساس عمل قام أول ما قام ليس من أجل الدولة ولكن لأجل الإنسان.
هذان المآلان المعاكسان للثورة المصرية يضعاها اليوم في عمليتين هما تمكين الثورة وتوظيف الثورة. فالقوى الاجتماعية التي تعمل على أن تكون الثورة تغييراً شاملاً، يشمل المجتمع كما شمل السياسة، هى قوى تعمل على تمكين الثورة وضرب جذورها في المجتمع، أما القوى التي تعمل على استمرار المجتمع، أو تستمر بلا وعي في حياتها النفعية، فهى تعمل على توظيف الثورة. أحد أبرز تجليات توظيف الثورة اجتماعياً هى انتشار "سِلَع" الثورة كـ"فول الثورة" و"بوستر شهداء الثورة" ووغير ذلك. هذه الظاهرة ليست بالضرورة تجلٍ لثورة مضادة ولكنها تبرز استمرار عمل قطاع واسع بعقلية ما قبل 25 يناير مستغلة أرضية الشرعية الجديدة بدون أن تعي معناها. على الناحية الأخرى، وأحد أشهر الأمثلة على التوظيف السياسي للثورة، هى ظهور حزب 25 يناير، وهو حزب قيل فيما بعد أن من قام بالدعوة إلى تأسيسه مجموعة من الحزب الوطني، حاولت توظيف الثورة لصالح المنتفعين من النظام القديم. كل تلك تجليات لظاهرة توظيف الثورة، والمشكلة الأساسية فيها أنها تخدع الكثيرين، فتسير في ركاب الثورة والبعض لا يدري بأنها تدفع المجتمع باتجاه معاكس، سواء وعت كمن يقومون بالثورة المضادة، أو لم تعي من طبقات على هامش المجتمع.
أما من يمكّنون للثورة فهم يمكنّون لها على مستويين؛ سياسي يحاول الدخول إلى القمة من أعلى واجتماعي يحاول البناء من القاعدة. على الناحية السياسية هناك قوى بدأت تبني نفسها وتعد العدة لملئ الفراغ الموجود في قمة الهرم السياسي والذي يُتوقع أن يمتلئ بعد الانتخابات النيابية والرئاسية، تلك القوى هى إما قوى قديمة حظرها النظام السابق كجماعة الإخوان المسلمين أو أحزاب كانت تحت التأسيس كحزبي الوسط والكرامة أو حركات مثل كفاية والسادس من إبريل، وإما تشكيلات جديدة خرجت إلى الساحة التي انفتحت أبوابها فجأة كحزب الحرية والعدالة الذي تسعى جماعة الإخوان المسلمين لأن يكون ممثلها الرئيس، وحزب النهضة الذي يعتزم الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح أحد قياديي جماعة الإخوان تأسيسه والاستقالة إدارياً من الجماعة بعده، وهو الحزب الذي أثار ضجة داخل الجماعة بين مؤيد لخروج أكثر من فصيل سياسي من الجماعة ومتمسك بمركزية التمثيل السياسي لها. هناك كذلك الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الذي يضم شخصيات بارزة مثل الدكتور محمد غنيم والدكتور محمد أبو الغار والدكتور عمرو حمزاوي، وهو حزب ليبرالي ذو توجه اجتماعي. واخيراً حزب المصريين الأحرار وهو حزب ليبرالي أسسه رجل الأعمال نجيب ساويرس. تلك هى الأسماء التي تنتظر بدء الانتخابات لتشارك فعلياً لأول مرة في ساحة سياسية حرة، وهى بالطبع ليست كل القوى الجديدة، فالساحة ستعج بعشرات الأحزاب كبيرة وصغيرة حتى تتأسس حياة سياسية مصرية ويتكون فيها تيار رئيسي أو أكثر.
على الناحية الاجتماعية نجد أن تمكين الثورة يتجلى في قوى اجتماعية تقليدية تمتلك شبكاتها على الأرض مثل جماعة الإخوان، وقوى جديدة كائتلافات الشباب تحاول أن تؤسس نواة في الأحياء لنشر الوعي والمساهمة في بث روح الثورة كما جرى من تنظيف للشوارع وإعادة دهان للأرصفة. نظراً لزخم الساحة السياسية بعد الثورة فالعمل الاجتماعي لا يحظى بالاهتمام الأكبر، أو هو ربما يجري من بعض القوى كالجمعيات الخيرية ولكنه ليس واضحاً للجميع أو ليس مؤثراً بما فيه الكفاية ليُحدث تغييراً ملموساً في المدن والأحياء. المعضلة هى أن الجميع يريد اللحاق بركب السباق السياسي حتى يحقق أكبر انتصارات ممكنة بعد الانتخابات، في حين أن الثورة بحاجة إلى تمكين اجتماعي يحفظها على المدى البعيد وليس مجرد تمكين سياسي يؤمن مكتسباتها خلال أعوامٍ عدة، خصوصاً وأن التعددية الحزبية التي يهتم بها الجميع هذه الأيام ليست هى الضمان الرئيس لتمكين الثورة في ظل مجتمع أغلب قطاعاته غير مسيّسة ويستطيع أي نظام استبدادي جديد أن يطيح بكل قواه السياسية الوليدة في أيام. فالمجتمع بالأساس يحتاج إلى من يستمع له ويعمل على إعادة بنائه، وليس فقط إعداده للتوجه إلى صندوق الاقتراع لأن هذا في حد ذاته تمكين كاذب يعمل على توظيف سياسي للطبقات الغير مثقفة باسم الثورة والديمقراطية، فيستغل السياسيون العامة مرة كل عامين أو أربعة لتضع أصابعها في الحبر الفوسفوري وتفتح أبواب الدولة أمامهم في حين يتركوها طوال هذه الأعوام تدور في ساقية النظام الجديد، بغض النظر عن نواياه.
مفهوم تمكين الثورة بالأساس مفهوم اجتماعي يمس العامة الذين يستطيعون تمكين الثورة بعد ذلك سياسياً من قواعد راسخة، أما التمكين السياسي بالدرجة الأولى فهو تمكين للنخبة يفتح لها باب الدولة ويوظّف البقية ويهمشها، وهذا النموذج سارت عليه أغلب الثورات التي لم تُحمَد كل مآلاتها في العصر الحديث من الثورة البلشفية إلى الثورة الإيرانية، إذ اقتصر التغيير فيها على تغيير الدولة وتهميش الإنسان.
إذا هُمِّش الإنسان سقطت الثورة، لأنها بالأساس عمل قام أول ما قام ليس من أجل الدولة ولكن لأجل الإنسان.
No comments:
Post a Comment