بقلم محمد عبد الحكم دياب
نشر بتاريخ 7\11\2009
أسماء عديدة مرشحة من قبل الرأي العام في مصر الآن لشغل منصب الرئيس القادم. أسماء متميزة في وظائفها ومهنها الخاصة. وأغلبها ليس لها دور سياسي ولا أبلت بلاء حسنا أو غير حسن في ميادين العمل العام، وهي أقرب إلى وجهاء الإداريين والمهنيين والدبلوماسيين والعسكريين.
وهذا لا يمنع أن بينهم علماء كبارا في قامة أحمد زويل، وأطباء نوابغ في مستوى مجدي يعقوب، وموظفين ساميين بحجم محمد البرادعي.
والتميز أو النبوغ هنا محسوب في ميزان القيمة والوزن الوظيفي والمهني. وليس كافيا وحده لإدارة مجتمع بتعقيدات المجتمع المصري، ولا لحكم بلد بحجم مصر. وليس في هذا تقليلا من قدر أحد. خاصة أن الهدف من التناول هو رفع سقف الحوار المجتمعي حول الشخصية المطلوبة ومواصفاتها. ويقتضي هذا طرح سؤال مبدئي عن قدرة الفرد أيا كان نبوغه ليكون بديلا عن الحراك السياسي الفاعل، والضاغط الساعي لبلورة مواصفات موضوعية وسليمة لرئيس الدولة القادم، وآخر يركز على القدرة والرغبة قبل الاسم والصفة. وتغييب الناس لا يمكن أن يكون مقبولا بعد عقود من التغييب التي طالت أكثر من اللازم.
خاصة أن ذلك القادم من رحم الغيب ليس حلقة في سلسلة حكم جمهوري متواصل. فالحلقات تقطعت بخنجر التوريث. والنظام الجمهوري أصبح في خبر كان وفي عداد الموتى. وذلك القادم لن يجد نظاما أو مؤسسات وآليات تستجيب له فور شغله المنصب، ولن يكون وصوله إيذانا بعودة تلك المؤسسات والآليات المحطمة والمدمرة إلى ما كانت عليه، ثم تحديثها والارتقاء بأدائها. والمشكلة الحقيقية هي في إدارة الحكم في السنوات العشر الأخيرة، على الأقل، بنظرية "ابني بيساعدني". القادم الجديد سيتحمل عبء تأسيس نظام بديل، ثم تطويره كي يستجيب للطموحات العامة لشعب عانى كثيرا من وطأة الاستبداد والفساد والتبعية والإفقار. لا يكفي فيه إزاحة عائلة مبارك من مواقعها السياسية والاقتصادية والمالية. إنما يبدأ التأسيس بإنهاء سيطرة رجال المال والأعمال والاحتكارات على الحكم، واستعادة القرار الوطني المستقل. هذا لا يتم بالقرارات والمراسيم فحسب، بل بالإجراءات والحشد والتعبئة في مواجهة منظومة القيم الفاسدة التي حكمت مصر لما يقرب من أربعة عقود. والقادم من رحم الغيب، إذا كان وطنيا، سيكون الأكثر احتياجا للدولة وعودة مؤسساتها وسلطاتها، وصياغة علاقتها ووجودها مع المواطن من جديد. ومع كل هذه التعقيدات لم نلحظ اسم مرشح امتلك مشروعا أو رؤية تضع هذه المهمة في حسابها.
إذن الأمر ليس أمر البحث عن مواطن صالح لشغل منصب رفيع، إنما البحث عن رجال قادرين. لديهم مشروع اجتماعي واقتصادي وتنظيمي كفء يأتي معبرا عن مصالح أوسع القطاعات، وملبيا لاحتياجات الشعب بفئاته وقواه وطبقاته.
أغلب الأسماء المطروحة مقدرة ولها مكانتها وحضورها الشخصي والإعلامي. يغلب عليها أنها على غير تماس مع المواطن. لم نسمع أن أحدهم أبدى ملاحظة حين استولت نقاباتهم ومنظماتهم ونواديهم على شاطئ النيل وصادراته وحرمت باقي المواطنين من الاستمتاع به، ولسنا ضد استمتاع فئة أو جماعة بحياتها. واعتراضنا هو على احتكار قلة لمطلق المتعة، وفرض الحرمان الكامل على المجموع. لا يختلف بعضهم عن رجال الأعمال الذين استولوا على السواحل والأراضي وحولوها إلى منتجعات، وحرموا الفقير من مسكن بسيط يعيش فيه مع أسرته. لم نعلم أن منهم من زار عشوائية من العشوائيات، أو اطلع على مآسي سكان المقابر، أو التفت إلى ظاهرة أطفال الشوارع. وباستثناء محمد غنيم مؤسس مركز الكلى المتميز، ومجدي يعقوب الذي يؤسس لمركز قلب في أسوان.
لا نجد صاحب باع في العمل الاجتماعي أو الأهلي، أو من يسعى للتخفيف من معاناة المحتاجين والمعدمين. بعيدا عن لغة الإكراميات أو "البقشيش". وعلى المستوى النظري فإن الوحيد - على حد علمي- الذي أعد خطة لتغيير وجه مصر. هو شيخ الجيولوجيين رشدي سعيد في مشروعه "مصر المستقبل "من أجل خروج المصريين إلى الصحراء بعيدا عن الوادي. مادة هذا التغيير: الرمال والغاز والماء. لم يلفت نظر أي منهم عدد ضحايا ذلك النعش الطائر المسمى ميكروباص، أو تلك المصيبة الجديدة المعروفة بالتك تك. أصبح المواطن تحت رحمة أصحاب وسائقي هذه الكائنات الحديدية المتوحشة والمنفلتة. وما بقي من مواصلات عامة فهي الأقذر والأقل أمانا في العالم، ومن يرغب في التأكد عليه استخدم محطات وقطارات السكك الحديدية في أي مكان من البلاد، ومترو الأنفاق في القاهرة الكبرى.
ومن بين الأسماء المتداولة يأتي عمرو موسى. تجده مختلفا. له وجهان متعاكسان، كل منهما في مواجهة الآخر. الوجه الأول برتوكولي إعلامي تغطي فيه قوة الضوء على مساحات العتمة، والآخر خاص مغلق. قضت فيه العتمة على منافذ الضوء تقريبا. وفي محاولة للتقريب أشير إلى أن المخضرمين من المثقفين العرب اطلعوا على أو سمعوا عن كتاب المفكر السعودي عبد الله القصيمي، رحمه الله. وكان بعنوان "العرب ظاهرة صوتية". رأى فيه الكاتب الراحل أن العرب اكتفوا بالكلام عن الفعل. ولم يكن يقصد المواطنين العرب بالمعنى العام.
كان مقصده نخبهم ومسؤوليهم وأصحاب القرار منهم. هم في نظره غير أكفاء ومعوقون، عقليا وذهنيا. لكنهم يملأون الصورة ويحتلون صدارة المشهد السياسي والثقافي، ويمتلكون ناصية الحكم والقرار، ونتج عن ذلك الوضع إهمال النابهين والمبدعين وذوي الكفاءة الإدارية والمهنية والعلمية والثقافية. كانت تلك حيثيات حكمه على الأمة العربية بأنها ظاهرة صوتية، تسمع لها صوتا ولا ترى فيها فعلا. ويجسد عمرو موسى هذه الظاهرة تجسيدا كاملا، واختزلها في شخصه اختزالا غير مسبوق. وتستمد هذه الظاهرة الصوتية قيمتها من مجال حركتها في نظام عربي رسمي. أبكم وأصم وأعمى، فالناطق وسط البكم سلطان، ومن يسمع وسط الصم فلتة، ومن يرى من بين العميان أعجوبة. وشعبية موسى مصدرها لسانه وحضوره وليس موقفه والتزامه، وهذا أهله ليكون ناطقا بلسان نظام عربي تم إلحاقه بالمشروع الصهيو غربي.
المساحة لا تكفي لرصد كل أبعاد الظاهرة. لذا نعرض للقطات سريعة عنها. فعمرو موسى منذ أن كان مندوبا لمصر في الأمم المتحدة ساهم مساهمة فعالة في تأهيل الدبلوماسية المصرية لتكون أكثر قربا وهي تتعامل مع الدوائر الصهيونية، واستكمل هذه المهمة بعدما تقلد منصب وزارة الخارجية. في عصره حوصر الخط الوطني، وخضع العمل الدبلوماسي لما يعرف بالخط المهني. ففتحت أبواب الوزارة للتطبيع والمطبعين. واستمر على نفس الخطى حين ترك الوزارة إلى منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية. دفع بالنظام الرسمي العربي ليكون أكثر التصاقا بالدولة الصهيونية وأكثر فعالية في تعريب التطبيع. وإذا ألقينا موضوع التطبيع جانيا، برصد أحوال السياسة العربية في أعقاب غزو العراق. يسجل على عمرو موسى أنه أول من اعترف بالاحتلال، حين اعتمد مندوب مجلس الحكم، المعين من قبل قيادة الغزو، ممثلا للعراق في مجلس الجامعة.
وإذا ما انتقلنا إلى محرقة غزة نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي. ناور عمرو موسى وداور ليحول دون اكتمال نصاب مؤتمر القمة الطارئ في الدوحة ليجنب معسكر الاعتدال، ومعه واشنطن ولندن وباريس وبرلين وروما وتل أبيب، يجنب كل هؤلاء الحرج، وانعقد المؤتمر بمن حضر، ومن يومها اتسع الخرق على الر ا تق، وهو مستمر في الاتساع حتى هذه اللحظة. ومن توابع محرقة غزة ذلك المشهد الذي نقلته فضائيات العالم عن تقاعس عمرو موسى عن اللحاق برجب الطيب أردوغان بمجرد أن أومأ إليه بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة. استمر جالسا ولم يخرج كما كان متوقعا احتجاجا على إساءات بيريز، بذرائع واهية. ولسنا وحدنا من يرى في عمرو موسى هذا الوجه الآخر. فها هو كاتب كبير مثل فهمي هويدي يرى نفس الشيء تقريبا، في تعليق له على تصريحات موسى في أهرام 12/8/2009، عن القضية الفلسطينية. تصريحات موسى التي أغاظت هويدي تتلخص بأنه لم يشر بكلمة إلى الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، ولا إلى الحصار الذي تفرضه الدولة الصهيونية على غزة. وجعل وقف الاستيطان الموضوع الأساسي وليس إنهاء الاحتلال، ورأى أن موسى تنازل بذلك عن فكرة تفكيك المستوطنات، مع وجود قرار محكمة العدل الدولية ونصوص القانون الدولي التي تنص على بطلان إجراءات تغيير الأوضاع الجغرافية للأراضي المحتلة. بجانب صمته عن شرط الوفاء بالالتزامات التي نصت عليه مبادرة بيروت العربية، وهي الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة عام 67 ومن الجولان والأراضي اللبنانية. و يقول ان موسى حين أراد أن يبدو حازما قال: إن العرب لن يقدموا شيئا دون الوقف الكامل للاستيطان، في تراجع واضح عن شرط الانسحاب الكامل الذي نصت عليه المبادرة، ويصف كلامه عن الالتزامات المتقابلة كطريق لإحلال السلام بأنه يقترب من موقف الدولة الصهيونية، الذي يدعي أنها لن تعطي إلا بقدر ما تأخذ. المنطق الذي يساوي بين الجاني والمجني عليه، والقاتل والقتيل، على حد قول هويدي.. ومطالبته الدولة الصهيونية إعلان موقف من الدولة الفلسطينية خلا من الإشارة إلى حقوق وحدود تلك الدولة، التي تريدها تل أبيب منزوعة السلاح ومشلولة الحركة، وضمن حدود مؤقتة، وضنّ على فلسطين بذكر كلمة القدس (حتى الشرقية منها) كعاصمة للدولة، واكتفى بالحديث عن الاعتراف بالعاصمة "المستقبلية" في تجهيل غير مبرر، يمثل تراجعا جديدا عن الموقف العربي المتعارف عليه. وانتهى غيظ هويدي، معتبرا أن موسى قدم استقالته مما أسماه "المكانة التي حفرها في ضمير الأمة، وآثر أن يعبر عن وهن حكوماتها، متشبثا بموقفه في واجهة النظام العربي المتهالك".
موسى ترك بصمات سيئة على القضية الفلسطينية، وعلى الموقف من احتلال العراق، وغطى على التواطؤ ضد غزة. لم يترك تلك البصمات على تلك القضايا فحسب إنما ترك بصمات أخرى لها نفس التأثير السلبي على العمل العربي المشترك في خارج الوطن العربي. وهذا موضوع نتناوله الاسبوع القادم إن شاء الله.
No comments:
Post a Comment