محمد عبد الحكم دياب
مقال نشر بتاريخ 27\2\2010
ونحن نستكمل ما بدأناه الأسبوع الماضي حول منصب الرئيس الشاغر في مصر، نشير إلى أن المطلوب ليس شخص المرشح، كبر أو صغر. فالتغيير المأمول لا يقتصر على الشخص أو الشكل فحسب، فهذا أسهل وأيسر أنواعه. و الحاجة الآن ملحة لفتح الأبواب أمام تغيير حقيقي في العقول وفي أنماط التفكير، والقواعد التي تبنى عليها القناعات. دون ذلك فمن الصعب أن تجتياز مصر ما حل بها من انحطاط، وما وقع عليها من ظلم، وحاق بدورها من تدهور وانهيار. فبلد تابع، فاقد لاستقلاله، ومنزوع السيادة على قراره وأرضه. فهذا معناه أن مصر في محنة. لا يمكن اجتيازها في غياب مشروع لتغيير سياسي واجتماعي شامل، أساسه إعادة صياغة الثقافة العامة، واستبدال المفاهيم الفاسدة، والتخلص من منظومة القيم المتخلفة، المعيقة والمعطلة للتقدم والتطور . وذلك ليس مهمة سهلة. فنقل الجبال، وتحويل الأنهار، وشق الطرق، وبناء السدود، أ يسر من تغيير عقل وتبديل فكرة وإحلال قناعة محل أخرى . من هنا دعونا لتجاوز الرهان على الفرد، أملا في رهان جديد يعتمد العمل المؤسسي، ويكون قادرا على تلبية طموح الجموع الغفيرة من الناس. ومن الجرائم الكبرى التي ارتكبها أهل الحكم في مصر هي تهميش القوى والطبقات التي كانت تملأ المشهد السياسي، وفي طليعة صناع النهضة، وفي مركز الفعل الوطني وبؤرة العمل العام. والرهان يستقيم برد الاعتبار لها.
وحين عرضنا لعدد من مسببات غياب أو تغييب الطلاب عن الحراك الوطني في مقالنا الماضي. كان ذلك مقدمة لتناول غياب أو تغييب الفلاحين والعمال عن ذلك الحراك. وإذا كان غيابهم يعتبر نقصا سياسيا وخللا ديمقراطيا، فإن تغييبهم يرقى لمستوى الجريمة الوطنية والأخلاقية، وإذا كان الصدام قد بدأ مع مطلع العقود الأربعة الأخيرة بالمواجهة الحكومية مع الطلاب، فقد استكمل بتهميش وحصار الفلاحين والعمال، وإبعادهم عن العمل النقابي والسياسي الحقيقي. وبعد أن كانوا، مع باقي شرائح الطبقة الوسطى، من المهنيين والعسكريين وصغار الكسبة، الطاقة المحركة للمد الوطني والاشتراكي والوحدوي، جاء من ألقى بهم في جب العبودية والقنانة الجديدة مرة أخرى، ويسلمهم لقمة سائغة وفريسة للإقطاع العائد ورجال مال وأْعمال متوحشين. هذا التحول المعاكس ارتبط بفقدان المواطن لكرامته تبعا لفقدان الوطن لمكانته. عادت السيطرة على الحكم والثروة لعصبة تمثل قلة القلة، بلا تاريخ أو جذور . وفي دراسة صدرت عن مركز الدراسات الاشتراكية بالقاهرة في 2006، تناولت أحوال الفلاحين ذكرت أن قانون 96 لسنة 92 كان نقطة فاصلة في حياة ملايين الفلاحين، بمقتضاه تم طرد ما يقرب من مليون مستأجر، تصل نسبتهم لحوالي ثلث عدد حائزي الأراضي الزراعية، الذين يبلغ عددهم 5 . 3 مليون فلاح . عاد الإقطاعيون القدامى وبصحبتهم إقطاعيون جدد. تعاونهم أجهزة الدولة، تتقدمها جحافل الشرطة، مما تسبب في اندلاع معارك، ما زالت تتجدد بين الفلاحين وذلك الإقطاع العائد حتى الآن، وكانت هجمات الشرطة ضد الفلاحين في قرية سراندو بمحافظة البحيرة، ودكرنس بمحافظة المنصورة مثلا صارخا في تعمد المصادرة على حقوق الفلاحين والسطو على ممتلكاتهم. يضاف إلى ذلك ما قامت به الأجهزة الحكومية من طرد للفلاحين من الأراضي المملوكة للدولة، وتركتها للبوار، وحبست حائزيها وشردتهم وهدمت مساكنهم. نفس النهج الصهيوني مع الفلسطينيين. والحجة هي أن البيوت أقيمت على أراض زراعية، واستنت سنة حالت دون ترميم ما تهالك من مبان عملا بنفس الذريعة . وعجزت حُجَج الحيازة وعقود التمليك عن حماية الفلاحين أصحاب الحق . وهذا وجه واحد من وجوه عدة لحصار هذه الطبقة، يضاف إلى ذلك استغلال الديون مبررا لطرد الفلاحين من أراضيهم وقراهم . بجانب مخطط جهنمي اعتمد على تعطيش الأراضي، التي في حوزة صغار الفلاحين والمزارعين. حرمت من المياه والري، وتعرضت للبوار أو التصحر، وذهبت المياه إلى مزارع ومنتجعات ومستوطنات كبار الملاك، المقدرة بآلاف الأفدنة . ومع تجريد الحكومة لصغار الفلاحين من أراضيهم، وسلبها حقوقهم الاقتصادية، وحرمانهم من المشاركة السياسية زاد عدد المعدمين الأجراء في الريف إلى حوالي 3 مليون فلاح .
ذلك بعض ما لحق بأحد أعمدة البنيان المجتمعي في الريف، وبأهم طبقة منتجة في المجال الزراعي، وما لحق بالعمال لم يكن أقل فداحة. فبناة المشروعات الكبرى والقوة الرئيسية في إنجاز برامج التصنيع والنقل والتعدين قُضي عليهم مع تصفية قاعدة الانتاج والصناعة المصرية، وتحول البلد المنتج، الذي ضرب به المثل في أعلى معدلات التنمية، وارتفاع مستوى المعيشة، ورخص الأسعار. تحول إلى عالة. يتسول المعونات ويستهلك ما ينتجه الآخرون، وباسم الخصخصة ضاع القطاع العام، وبُدّدت أصول المجتمع، ومنها انطلقت المواجهة مع الطبقة التي ساهمت في إقامة الصروح الصناعية والمشروعات العملاقة. وتركت نهبا للبطالة، وضحية للمعاش المبكر، وأخذ جيل البناة والمنتجيبن العظام ينزوي ويتلاشى. وحل محله جيل آخر رضخ وأذعن لاستغلال رجال الأعمال والمال الجدد. قَبِل بشروطهم. وارتبطت لديه لحظة توقيع عقد العمل يلحظة تقديم الاستقالة، ليحتفظ بها المرابي الجديد سيفا على رقبة ذلك القِن المعدّل. تمكنه من طرده في أي لحظة، وتعفيه من تحمل عبء أي ضمانات أو حقوق. هذا الواقع المر دفع بكثير من الشباب إلى الهجرة أو الهروب إلى عرض البحر. البعض ينجو والبعض يذهب طعاما لأسماك البحر .
ضرب أهل الحكم حصارا محكما وحديديا على كل الأشكال والتنظيمات النقابية والمهنية، لكي لا تبقى هناك فرصة للدفاع عن مصالح القوى العاملة. تركوا بلا غطاء نقابي، وبلا سند قانوني، أو حماية سياسية، وأعلنت الحكومة حربها غير المقدسة على كل هذه تلك الأشكال ، وأضافت إليها أندية القضاة والأكاديميين. فوُضعت تحت رحمة ضغوط أمنية باطشة، وتدخلات مسؤولين فقدوا الأهلية، ومصابين بسعار وجنون، لا تجد له مثيلا في غير مصر . وتعرضت هذه القوى العاملة لعملية إفقار منظمة قللت من وزنها ومكانتها، وقد كانت ملء السمع والبصر. عصف بها الغلاء الفاحش لأسعار المواد الغذائية الأساسية، وفواتير الكهرباء والمياه والصرف الصحي، ومختلف الرسوم على الشهادات والفواتير. وأضعف قدرتها على تحمل أعباء الحياة. وكان التوازن الذي شاع من جراء تحولات خمسينات وستينات القرن الماضي، قد جعل من التعليم أساسا للحراك الاقتصادي والوظيفي وقاعدة للمكانة الاجتماعية لهذه القوى والطبقات، ومع اختلال ذلك التوازن زحفت قيم التمييز والتفرقة، وأخذت مكانة وقيمة الفرد تتحدد بما يحوز من مال وثروة، وليس بما لديه من علم وكفاءة، أو بما يملك من خبرة وتفوق . ومع انهيار الطبقة الوسطى تراجعت القيمة الاجتماعية والسياسية للفلاحين والعمال . انتشرت بينهم البطالة، وضاقت على أبنائهم فرص التعليم، وتشير آخر الإحصائيات إلى تسرب 130 ألف حالة في مراحل التعليم العام سنويا، وحرموا من الاختيار المتكافئ للدراسة، المعتمد على مستوى التحصيل العلمي والقدرات والملكات، بعيدا عن اعتبارات الملكية والثروة والتوريث، وقد أضحت هذه الاعتبارات من شروط الالتحاق بمجالات التعليم والدراسات الأمنية والعسكرية والأكاديمية والقضائية والطبية. وخرجت القوى العاملة (فلاحين وعمالا) من المظلة التعليمية، وكانت تغطي الجميع دون استثناء، وتوشك الثروة أن تستقر عاملا تعفي صاحبها من الخدمة العسكرية الإلزامية .
وتزامن الخروج من تحت مظلة التعليم مع تغير جوهري في نظم وبرامج التعليم، أهملت بناء المواطن، وأهدرت مواهبه، وقللت من شأنه وقدراته، وتغاضت عن مستوى أدائه . وعاد التعليم حقا للقادرين. يسير على قواعد أشبه بتلك التي وضعها دانلوب في خدمة الاحتلال البريطاني، قصرت مهمته على إعداد إداريين وكتبة لخدمة الاحتلال ومصالحه. والإضافات الجديدة لا تخرج عن تحسينات أمريكية، تعزز تراجع الإقبال الذي كان على دراسة الهندسة والطب والعلوم والزراعة والكيمياء والصيدلة والذرة وتطبيقاتها التقنية، وتركز على فنون الإدارة والمال والفندقة والسياحة والعلاقات العامة والتسويق والمضاربات المالية . وتقاس قيمة أي تغيير بتوفر الوعي الاجتماعي وارتفاع معدل الحس الإنساني لدى الداعين له والقائمين عليه، وهذا مطلوب كأساس يُرَد به اعتبار هذه القوى واسترداد حقها في الحياة الكريمة، ومع ذلك نجد أن رئيس الهيئة الدولية للطاقة النووية السابق محمد البرادعي، ييدو بعيدا عن فهم واقع القوى العاملة بعد السماء عن الأرض، ويُستشف ذلك من قوله عنها قولا يدينها، وتجاهل ما لخمسينات وستينات القرن الماضي من قيمة لدى هذه القوى. في حديثه إلى صحيفة الشروق القاهرية أدان هذه الفترة. وإذا كان البرادعي محاطا ببيئة كارهة لعبد الناصر، فهو حر فيما يحب ويكره، أما أن تمتد الكراهية لحقوق القوى والطبقات المحرومة فهذه مشكلته. وقد جانبه الصواب وهو يخاطب رأيا عاما، فيه من يزن الكلمات والعبارات بميزان الذهب. وكان البرادعي قد قال: 'منذ 1952 أصبحنا مجتمعا مشرذما، نعيش كقبائل لا يجمعها شيء. حصلت تطورات خلال الـ50 عامة الماضية خلقت وغيبت القيم المصرية زرعت فينا الروح القبلية'. وقد لا يعرف بحكم الغياب والبعد الطويل أنها فترة ينظر إليها الفلاحون والعمال أنها ردت إليهم آدميتهم. وهو أول من يعرف أن الخمسين عاما لم تسر على وتيرة واحدة، فالسنوات العشرون الأولى كان الانحياز فيها واضحا للطبقة الوسطى والطبقات العاملة والمنتجة وصغار الكسبة والفقراء، وما بعدها وحتى الآن عاد الانحياز للقلة المترفة الفاسدة. التي أخذت على عاتقها مهمة الإفساد في الأرض ونشر الفتنة بين الناس. ومن يقع في شراك التعميم، ويخلط المراحل والأوراق، يبتعد عن الإنصاف، وهي صفة يجب أن يتحلى بها رجل القانون. كان عليه أن يتنبه إلى أثر هذا القول، على موقف هذه القوى العريضة منه. قد يجعلها تفكر ألف مرة قبل أن تمنحه التأييد والتزكية. لكن يبدو أن الرهان على الخارج ومغازلة الغرب يدفع كثيرين إلى مثل هذا القول، فما قاله قد يكون نصا ثابتا، كثيرا ما تُستهل به أوراق الاعتماد الموجهة للعواصم الغربية، فإدانة السنوات الخمسين الماضية مجتمعة، دون فصل بين مراحلها، تعميم مطلوب للتغطية على مراحل وحقب منها، يسعى الغرب إلى شطبها وطمسها من الذاكرة العربية والعالمية، فهي تذكره بجلاء الاحتلال والتحرر، والتنمية المستقلة وضرب الاحتكارات، والتوزيع العادل للثروة، والوحدة وبناء السد العالي، ووقوف مصر في الخندق الفلسطيني. وهو ما لا يريدونه ويود أن ينساه وينسينا إياه. وحتى لو شابت الهزيمة المرحلة المدانة من البرادعي افتراضا، فقد قادها رجال كانوا على قدر عال من المسؤولية. هيأوا الوطن وساعدوه على غسل عار الهزيمة، بنصر بدده المتطلعون والمغازلون للغرب. ولا يبقى أمامنا إلا الرد على السؤال المعلق..
ما العمل لشد القوى الغائبة أو المغيبة إلى الحراك الوطني، فنرد لها اعتبارها المفقود؟
No comments:
Post a Comment