بقلم محمد عبد الحكم دياب
مقال نشر بتاريخ 23\1\2010
ينشغل المصريون، أو بمعنى أصح نخبهم السياسية، بالبحث عن شاغل للمنصب الرئاسي الشاغر، بسبب نقل حسني مبارك لكامل صلاحياته للابن الأصغر. ولا نأتي بجديد إذا ما وصفنا هذا الانتقال بأنه عرفي لا علاقة له بقانون أو نصوص متعارف عليها، وجاء تلبية لرغبة غير مشروعة. تتحقق فقط بقوة الحديد ولهيب النار. ومنذ أن أبدى البرادعي استعداده للترشيح لملء ذلك الفراغ الرئاسي سارع كثيرون إلى مبايعته، وبادر آخرون بجمع توكيلات تطالب بترشيحه. وإن بدا ذلك استعجالا، لكنه لا يمنع من وضع الأمر كله في ميزان التقييم، لبيان مدى السلامة أو النقص فيه، فعلى مستوى السلامة فإنه يؤشر إلى نزوع قوي وعام في البحث عن بديل لحكم مبارك، وإلى قلق بالغ من تبعات الصلاحيات الممنوحة عرفيا لابنه، ومنعها من أن تتحول لواقع رسمي. ومن يراهن على البرادعي أو على غيره محسوب على الكتلة الأكبر والأشمل الرافضة لاستمرار الأوضاع على ما هي عليه، وتجمع القوى الحية والعناصر الإيجابية التي تملأ المشهد السياسي المصري، ومؤيدو عائلة مبارك لا علاقة لهم بهذا المشهد. بجانب أن الموقف من البرادعي يكشف بعدا مهما يتعلق بتنامي الشعور بتجاوز حاجز الخوف من المواجهة ضد تجبر القوى الطفيلية والاحتكارية المسيطرة على القرار السياسي والمستحوذة على الثروة، والمشاركة للقوى الأجنبية في نهب البلاد وتركيعها. وقد تكون هناك جوانب أخرى للسلامة غابت عنا.
والشواهد تقول بأن الرهان على البرادعي، بداية ونهاية، هو رهان على شخص لمواجهة مأزق تاريخي أكبر من قدرة أي شخص، وفوق طاقة أي جماعة منفردة، ونحن هنا لسنا ضد شخص بعينه، لا البرادعي ولا غيره بقدر ما نناقش نهجا ومسلكا يتحكم في تفكير قطاع عريض من المصريين. كثيرون لا يراهنون على نهج أو برنامج أو مشروع شامل للتغيير، ويكتفون بالرهان على النوايا والكلمات والأحاديث، التي لم تختبر بعد، أو على أماني وأحلام معلقة تبحث عن شخص يضعونها على كاهله، وهو رهان يبدو غير مكلف، ويمارس طلبا للسلامة أو إبراء للذمة! وما يشد هؤلاء إلى البرادعي ليس نهجه أو برنامجه أو مشروعه، فهذا لم يعرف بعد، وما يعرف هو في حدود وظيفته ومهمته، في بعديها الفني والتنظيمي، وحدود شروطه لدخول الانتخابات، والشيء المرجح أن إنشغاله بعمله الدولي المتميز لم يسمح له بالوقت اللازم للمتابعة أو إبداء الرأي فيما جرى ويجري من حراك وطني في السنوات الخمس الماضية، بداية من ظهور حركة كفاية وانتهاء بشباب 6 نيسان/إبريل، مرورا بحركة استقلال الجامعة، المعروفة بحركة 9 آذار/مارس، ووقفة القضاة الشامخة، وتمرد الصحافيين وفدائيتهم، وتمكنهم من انتزاع حقهم وحق المواطنين في إبداء الرأي المخالف لأهل الحكم، والاحتجاج والإضراب وفضح ممارساتهم المشينة والفاشية، وكشف دورهم في إدخال البلطجة كسياسة ثابتة، يتعامل بها الحزب الحاكم مع المعارضين والرافضين له. ونجحت قوى الحراك الوطني في تحدي قانون الطوارئ، وتَحَمّل غياب القانون الطبيعي والقاضي المستقل، وحضور قانون الغاب. وبعد كل هذا هناك من يستمر في رهانه على الفرد.
هل هي آفة من آفات العمل السياسي في مصر؟ وهل مكتوب على المصريين أن يراهنوا دوما على الفرد؟ وهو رهان إن أصاب مرة فقد خاب مرات، ولا يبرر الاستسلام لهذه الآُفة شعور الكراهية العام لحكم حسني مبارك ورفض هيمنة عائلته، ويجب ألا يكون ذلك وحده مسوغا للرهان على فرد أيا كان، سواء كان في حجم البرادعي أو أكبر أو أقل. هذا مع اعترافنا بأن البرادعي لا يقارن بعائلة مبارك، فرادى أو مجتمعة. فقد قضى عليها طموحها المريض في التحول إلى سلالة حاكمة. أعطت نفسها حق وراثة مصر، والعمل الدبلوماسي لا يكفي وحده لانتشال مصر مما هي فيه، وأمامنا عمرو موسى بما فعله في جامعة الدول العربية والعرب.
قد طالبت على هذه الصفحة من أسابيع بأن مصر ليست في حاجة إلى رئيس بقدر حاجتها إلى إدارة انتقالية، كصيغة نخطو بمصر خطوة للأمام، وتبعدها عن هذا النوع من الرهانات، فيحل المجهود المؤسسي اللامحدود محل الجهد الشخصي المحدود، وبالقانون المبرأ من الهوى بديلا لنزوات الأفراد ومصالح الشلل، وتصورنا ذلك رهانا ديمقراطيا لاستعادة دولة المؤسسات، والتمثيل الحقيقي لأصحاب المصلحة في الديمقراطية، إذا جاز التعبير، وهم قوى الشعب بفئاته وطبقاته السياسية والاجتماعية بأحزابها ونقاباتها وجمعياتها ونواديها وروابطها المهنية والحرفية والأكاديمية، من القاعدة إلى القمة، وتلك مهمة ملحة تقتضيها عملية تصفية الاحتكار السياسي والاقتصادي والمالي القائم.
وإذا ما دققنا في الأمر نجد أن الفرد موضع الرهان محسوب في عداد الفنيين (التكنوقراط)، والإداريين (البيروقراط). ولا يختلف كثيرا عن الذين اعتمد عليهم حسني مبارك من بداية حكمه حتى انتقال الحكم إلى ابنه عرفيا، منذ ما يقارب من عشر سنوات. فحسني مبارك لم يعتمد على سياسي واحد، وانتهى إلى تمكين أجهزة الأمن، بتخلفها وتقاليدها القائمة على التمييز والعنف. وبذلك فتح الباب أمام ابنه فمكن رجال المال والأعمال والسماسرة من الاستيلاء على ثروة البلاد مقابل مساعدته في الحكم وتثبيته على مقعد الرئيس، بنفوذهم وارتباطاتهم الخارجية. وبذلك استغنى عن أطقم الفنيين والإداريين ورجال الأمن، الذين أحاطوا بوالده. وحول مصر من دولة ذات شأن إلى شركة بلا وزن، وجعل الأجهزة الأمنية مجرد مخافر ساهرة على تأمين أصحاب المصالح المالية والتجارية والاحتكارية وحمايتهم من الشعب، ورغم هذا لم يشعر هؤلاء يوما بالأمان، ووجدوا حمايتهم في التبعية والغطاء الأجنبي، وكان الثمن هو أن ربطوا مصيرهم بالغرب، الذي شق الوطن العربي وبدأ ينشط الآن في شق مصر.
كان للفنيين والإداريين دورهم الإيجابي والبناء في مراحل عملهم ضمن مشروع وطني وقومي أكبر، لبناء الوطن وتحديث الدولة ورفع مستوى المعيشة، ومع غياب ذلك المشروع الشامل الجامع تراجعت قيمتهم وضعف دورهم. ومن المفترض في ظروف حراك وطني متنام أن يقل الرهان على هؤلاء، إلا الذين اختاروا أن يكونوا جزءا من ذلك الحراك، وانخرطوا في قوى التغيير. وهذا أحد الأسباب التي حدّت من قدرة المقاومة العنيدة للحكم على تغيير ميزان القوى لصالحها بالسرعة الكافية. ما زالت مقاومة محدودة وجزئية. تبدو وكأنها تتعامل بالقطعة أحيانا وحسب الطلب أحيانا أخرى. وبهذا النهج تعاملت مع مخطط التوريث ثم التمديد، أو بالجمع بين المطلبين معا، وهذا لا غبار عليه، إذا ما كان سبيلا لبلورة جماعة وطنية سياسية لديها القدرة على صياغة مشروع شامل يخرج بمصر من مأزقها وينتشلها من القاع الذي استقرت فيه. وكثير من المعطيات تبين أن هذا هو الحد الأقصى لما يمكن أن تقوم به النخب في هذه المرحلة، لأنها بقيت محصورة في حدود الطبقة الوسطى. مع أنها أوصلت الحراك الوطني إلى ذروته في 2005. وعلينا أن نتنبه إلى أن هذه الطبقة ضاقت بالإفقار، وأنهكت بالبطالة، وبَعُدت بالهجرة، والبقية شغلتها قسوة الحياة وأعبائها. ومع ذلك فإن ما قامت به مميز، إلا أنه كي يصل إلى أهدافه البعيدة يحتاج إلى قوى وطبقات أخرى أكبر حجما وأوسع انتشارا إلى جانبها.
القوى والطبقات الأكبر حجما والأوسع انتشارا ما زالت غائبة أو مغيبة، وهم الطلاب والعمال والفلاحون، فالطلاب محاصرون بالأمن والأيديولوجية. الأمن يصادر على حق التجمع والتنظيم، وبالتدخل السافر في انتخابات اتحادات الطلاب، وعلى صعيد آخر ارتاح أهل الحكم مع تحول المدارس الثانوية إلى أماكن لترتيب الدروس الخصوصية، بعد تخليها عن العملية التعليمية والتربوية، وحين ينتقل الطالب إلى الجامعة يجدها تحت هيمنة وحصار الحرس الجامعي لملاحقة الطلبة والإمساك بتلابيب الأساتذة، وقدرة هذا الحرس على إزاحة هذا الأستاذ وترقية ذاك، وقد عين رئيس جامعة عين شمس مؤخرا وزيرا للتربية والتعليم مكافأة له على كفاءته البوليسية وعنفه وسبابه الجارح، وعلى نجاحه في إدخال البلطجية وأرباب السوابق، لأول مرة، وهم يحملون السيوف والسنج والمطاوي، إلى حرم الجامعة، لمنع الطلاب من الخروج تأييدا للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، ورفضا لاحتلال العراق وأفغانستان.
والحصار الأيديولوجي صنعه تراجع الأولويات الوطنية والسياسية، بتأثير جماعات دينية متشددة، وأخرى من الليبرالية الجديدة. الجماعات المتشددة تركز على نشر الثقافة الطائفية والمذهبية. وتشغل الطلاب بتكفير المسيحيين والمخالفين في العقيدة، وبالخلاف السني الشيعي، والفصل بين الطلاب والطالبات داخل قاعات الدرس، وإثارة الجدل والعراك حول النقاب وهل هو عادة أم عبادة وهكذا، ومن يخرج منهم تأييدا للمقاومة الفلسطينية ينطلق من انحياز مذهبي وليس نصرة حقيقية للمقاومة، بمعناها الجامع، كطريق للتحرير ومواجهة الاحتلال، وبدلا من أن يكون الخطاب الديني متسامحا ومرنا غلبت عليه لغة التعصب المذهبي والطائفي. وتراجعت بذلك قضايا العمل الوطني، فقل اهتمام الطلاب بما يجري للوطن والمواطنين.
والليبراليون الجدد من جانبهم أبعدوا الطلاب عن قضايا التغيير والاستقلال الوطني والسلام الاجتماعي، واختزلوا الوطن في السوق، وحصروا معنى المواطنة في الاستثمار، فالمواطن هو المستثمر صغيرا كان أو كبيرا، وغير هؤلاء يجب أن يسقط من حساب المواطنة. ونجحوا في فصل الطلاب عن الهم الوطني، وجعلوا منهم أنصارا للهيمنة الاحتكارية الغربية والصهيونية. كل همهم تركيز الثروة والتكنولوجيا في يد القلة، والتصدي لمن لا يقر ذلك، ومحاربة الرافضين للفساد والاستبداد والتبعية، وقد وجدوا فرصتهم في الجامعات الخاصة والأجنبية، وتسللوا إلى الأحزاب والجماعات والجمعيات الحقوقية والأّهلية، وهم مؤيدون لبقاء حكم عائلة مبارك وإن كانوا مع تحسين صورتها 'نيولوك'. وكان ذلك واضحا في حملة الانتخابات الرئاسية السابقة. ويعتمد عليهم جمال مبارك في الدعوة إلى ترشيحه في انتخابات 2011. وبغياب الطلاب والعمال حُصر الحراك الوطني في الصحافيين والقضاة والكتاب والأكاديميين والمحامين والمهندسين، ولا يمكن لحجمهم أن يملأ الفراغ الطلابي.
والطبقة الوسطى ذاتها تعاني من غياب كتلة ضخمة منها. يمثلها المعلمون والمدرسون في مراحل التعليم المختلفة. ويقدرون بمئات الألوف. قتلتهم الحاجة، وتدني الدخل، وتردي المكانة التربوية والاجتماعية، وأسر الدروس الخصوصية، أما العمال والفلاحون فقصتهم مختلفة. إذن من هو الذي بمقدوره شد القوى الغائبة أو المغيبة؟ هل نهج الرهان على الفرد يلبي هذا المطلب؟ نعتقد أن زمن هذا الرهان إن لم يكن قد ولى فإنه يحتضر ومعنى هذا أن للحديث بقية تبحث غياب الفلاحين والعمال عن الحراك الوطني، وترد على سؤال ما العمل؟
هل هي آفة من آفات العمل السياسي في مصر؟ وهل مكتوب على المصريين أن يراهنوا دوما على الفرد؟ وهو رهان إن أصاب مرة فقد خاب مرات، ولا يبرر الاستسلام لهذه الآُفة شعور الكراهية العام لحكم حسني مبارك ورفض هيمنة عائلته، ويجب ألا يكون ذلك وحده مسوغا للرهان على فرد أيا كان، سواء كان في حجم البرادعي أو أكبر أو أقل. هذا مع اعترافنا بأن البرادعي لا يقارن بعائلة مبارك، فرادى أو مجتمعة. فقد قضى عليها طموحها المريض في التحول إلى سلالة حاكمة. أعطت نفسها حق وراثة مصر، والعمل الدبلوماسي لا يكفي وحده لانتشال مصر مما هي فيه، وأمامنا عمرو موسى بما فعله في جامعة الدول العربية والعرب.
قد طالبت على هذه الصفحة من أسابيع بأن مصر ليست في حاجة إلى رئيس بقدر حاجتها إلى إدارة انتقالية، كصيغة نخطو بمصر خطوة للأمام، وتبعدها عن هذا النوع من الرهانات، فيحل المجهود المؤسسي اللامحدود محل الجهد الشخصي المحدود، وبالقانون المبرأ من الهوى بديلا لنزوات الأفراد ومصالح الشلل، وتصورنا ذلك رهانا ديمقراطيا لاستعادة دولة المؤسسات، والتمثيل الحقيقي لأصحاب المصلحة في الديمقراطية، إذا جاز التعبير، وهم قوى الشعب بفئاته وطبقاته السياسية والاجتماعية بأحزابها ونقاباتها وجمعياتها ونواديها وروابطها المهنية والحرفية والأكاديمية، من القاعدة إلى القمة، وتلك مهمة ملحة تقتضيها عملية تصفية الاحتكار السياسي والاقتصادي والمالي القائم.
وإذا ما دققنا في الأمر نجد أن الفرد موضع الرهان محسوب في عداد الفنيين (التكنوقراط)، والإداريين (البيروقراط). ولا يختلف كثيرا عن الذين اعتمد عليهم حسني مبارك من بداية حكمه حتى انتقال الحكم إلى ابنه عرفيا، منذ ما يقارب من عشر سنوات. فحسني مبارك لم يعتمد على سياسي واحد، وانتهى إلى تمكين أجهزة الأمن، بتخلفها وتقاليدها القائمة على التمييز والعنف. وبذلك فتح الباب أمام ابنه فمكن رجال المال والأعمال والسماسرة من الاستيلاء على ثروة البلاد مقابل مساعدته في الحكم وتثبيته على مقعد الرئيس، بنفوذهم وارتباطاتهم الخارجية. وبذلك استغنى عن أطقم الفنيين والإداريين ورجال الأمن، الذين أحاطوا بوالده. وحول مصر من دولة ذات شأن إلى شركة بلا وزن، وجعل الأجهزة الأمنية مجرد مخافر ساهرة على تأمين أصحاب المصالح المالية والتجارية والاحتكارية وحمايتهم من الشعب، ورغم هذا لم يشعر هؤلاء يوما بالأمان، ووجدوا حمايتهم في التبعية والغطاء الأجنبي، وكان الثمن هو أن ربطوا مصيرهم بالغرب، الذي شق الوطن العربي وبدأ ينشط الآن في شق مصر.
كان للفنيين والإداريين دورهم الإيجابي والبناء في مراحل عملهم ضمن مشروع وطني وقومي أكبر، لبناء الوطن وتحديث الدولة ورفع مستوى المعيشة، ومع غياب ذلك المشروع الشامل الجامع تراجعت قيمتهم وضعف دورهم. ومن المفترض في ظروف حراك وطني متنام أن يقل الرهان على هؤلاء، إلا الذين اختاروا أن يكونوا جزءا من ذلك الحراك، وانخرطوا في قوى التغيير. وهذا أحد الأسباب التي حدّت من قدرة المقاومة العنيدة للحكم على تغيير ميزان القوى لصالحها بالسرعة الكافية. ما زالت مقاومة محدودة وجزئية. تبدو وكأنها تتعامل بالقطعة أحيانا وحسب الطلب أحيانا أخرى. وبهذا النهج تعاملت مع مخطط التوريث ثم التمديد، أو بالجمع بين المطلبين معا، وهذا لا غبار عليه، إذا ما كان سبيلا لبلورة جماعة وطنية سياسية لديها القدرة على صياغة مشروع شامل يخرج بمصر من مأزقها وينتشلها من القاع الذي استقرت فيه. وكثير من المعطيات تبين أن هذا هو الحد الأقصى لما يمكن أن تقوم به النخب في هذه المرحلة، لأنها بقيت محصورة في حدود الطبقة الوسطى. مع أنها أوصلت الحراك الوطني إلى ذروته في 2005. وعلينا أن نتنبه إلى أن هذه الطبقة ضاقت بالإفقار، وأنهكت بالبطالة، وبَعُدت بالهجرة، والبقية شغلتها قسوة الحياة وأعبائها. ومع ذلك فإن ما قامت به مميز، إلا أنه كي يصل إلى أهدافه البعيدة يحتاج إلى قوى وطبقات أخرى أكبر حجما وأوسع انتشارا إلى جانبها.
القوى والطبقات الأكبر حجما والأوسع انتشارا ما زالت غائبة أو مغيبة، وهم الطلاب والعمال والفلاحون، فالطلاب محاصرون بالأمن والأيديولوجية. الأمن يصادر على حق التجمع والتنظيم، وبالتدخل السافر في انتخابات اتحادات الطلاب، وعلى صعيد آخر ارتاح أهل الحكم مع تحول المدارس الثانوية إلى أماكن لترتيب الدروس الخصوصية، بعد تخليها عن العملية التعليمية والتربوية، وحين ينتقل الطالب إلى الجامعة يجدها تحت هيمنة وحصار الحرس الجامعي لملاحقة الطلبة والإمساك بتلابيب الأساتذة، وقدرة هذا الحرس على إزاحة هذا الأستاذ وترقية ذاك، وقد عين رئيس جامعة عين شمس مؤخرا وزيرا للتربية والتعليم مكافأة له على كفاءته البوليسية وعنفه وسبابه الجارح، وعلى نجاحه في إدخال البلطجية وأرباب السوابق، لأول مرة، وهم يحملون السيوف والسنج والمطاوي، إلى حرم الجامعة، لمنع الطلاب من الخروج تأييدا للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، ورفضا لاحتلال العراق وأفغانستان.
والحصار الأيديولوجي صنعه تراجع الأولويات الوطنية والسياسية، بتأثير جماعات دينية متشددة، وأخرى من الليبرالية الجديدة. الجماعات المتشددة تركز على نشر الثقافة الطائفية والمذهبية. وتشغل الطلاب بتكفير المسيحيين والمخالفين في العقيدة، وبالخلاف السني الشيعي، والفصل بين الطلاب والطالبات داخل قاعات الدرس، وإثارة الجدل والعراك حول النقاب وهل هو عادة أم عبادة وهكذا، ومن يخرج منهم تأييدا للمقاومة الفلسطينية ينطلق من انحياز مذهبي وليس نصرة حقيقية للمقاومة، بمعناها الجامع، كطريق للتحرير ومواجهة الاحتلال، وبدلا من أن يكون الخطاب الديني متسامحا ومرنا غلبت عليه لغة التعصب المذهبي والطائفي. وتراجعت بذلك قضايا العمل الوطني، فقل اهتمام الطلاب بما يجري للوطن والمواطنين.
والليبراليون الجدد من جانبهم أبعدوا الطلاب عن قضايا التغيير والاستقلال الوطني والسلام الاجتماعي، واختزلوا الوطن في السوق، وحصروا معنى المواطنة في الاستثمار، فالمواطن هو المستثمر صغيرا كان أو كبيرا، وغير هؤلاء يجب أن يسقط من حساب المواطنة. ونجحوا في فصل الطلاب عن الهم الوطني، وجعلوا منهم أنصارا للهيمنة الاحتكارية الغربية والصهيونية. كل همهم تركيز الثروة والتكنولوجيا في يد القلة، والتصدي لمن لا يقر ذلك، ومحاربة الرافضين للفساد والاستبداد والتبعية، وقد وجدوا فرصتهم في الجامعات الخاصة والأجنبية، وتسللوا إلى الأحزاب والجماعات والجمعيات الحقوقية والأّهلية، وهم مؤيدون لبقاء حكم عائلة مبارك وإن كانوا مع تحسين صورتها 'نيولوك'. وكان ذلك واضحا في حملة الانتخابات الرئاسية السابقة. ويعتمد عليهم جمال مبارك في الدعوة إلى ترشيحه في انتخابات 2011. وبغياب الطلاب والعمال حُصر الحراك الوطني في الصحافيين والقضاة والكتاب والأكاديميين والمحامين والمهندسين، ولا يمكن لحجمهم أن يملأ الفراغ الطلابي.
والطبقة الوسطى ذاتها تعاني من غياب كتلة ضخمة منها. يمثلها المعلمون والمدرسون في مراحل التعليم المختلفة. ويقدرون بمئات الألوف. قتلتهم الحاجة، وتدني الدخل، وتردي المكانة التربوية والاجتماعية، وأسر الدروس الخصوصية، أما العمال والفلاحون فقصتهم مختلفة. إذن من هو الذي بمقدوره شد القوى الغائبة أو المغيبة؟ هل نهج الرهان على الفرد يلبي هذا المطلب؟ نعتقد أن زمن هذا الرهان إن لم يكن قد ولى فإنه يحتضر ومعنى هذا أن للحديث بقية تبحث غياب الفلاحين والعمال عن الحراك الوطني، وترد على سؤال ما العمل؟
No comments:
Post a Comment