May 10, 2011

‮‬المجاهد‮.. الشجاع‮..‬ ‮‬الشــــــهيد!‬

بقلم‮:‬نبيل زكي
بصرف النظر عن أي اختلاف مع الامريكيين حول طريقة قتل‮ »‬أسامة بن لادن‮« -‬وخاصة مع الروايات المختلفة والمتضاربة حول تفاصيل العملية التي جرت لتصفيته‮- ‬وبصرف النظر عن أي اعتراض علي طريقة دفنه‮.. ‬فإن الحديث عن‮ »‬بن لادن‮« ‬باعتباره‮ »‬الشيخ المحارب التقي الشهيد‮«.. ‬أمر يثير الدهشة والاستغراب‮.. ‬وايضا الاستهجان‮.‬
فقد قتلت وكالة المخابرات المركزية الامريكية أحد ابنائها الذين تولت تجنيدهم وتدريبهم وتمويلهم وتسليحهم لمحاربة القوات السوفيتية في افغانستان في الثمانينيات من القرن الماضي‮.‬

ولم يكن تنظيم‮ »‬القاعدة‮«.. ‬حركة عربية واسلامية،‮ ‬ولكنه كان جزءا من استراتيجية امريكية بدأت في منتصف القرن الماضي،‮ ‬وحاولت استخدام الاسلام والمسلمين لمحاربة الشيوعية الي ان وقع الخلاف في أعقاب الانتصار علي السوفيت في التسعينيات بسبب الاستغناء عن خدمات‮ »‬بن لادن‮« ‬وبسبب طريقة توزيع المغانم والمكافآت‮.. ‬فقد كان‮ »‬بن لادن‮« ‬يطمع في اطلاق يده في السعودية‮.. ‬فإذا تعذر ذلك‮.. ‬يكون اليمن أو السودان‮ ‬غير ان الامريكيين رأوا ان افغانستان تكفي لتكون من نصيب جماعة‮ »‬بن لادن‮« ‬وحلفائه من قادة‮ »‬المجاهدين‮«.‬
وقرر‮ »‬بن لادن‮« ‬الذي كان ينتظر يوما المجندين الجدد في‮ »‬بيشاور‮« -‬باكستان‮- ‬تبعث بهم القنصلية الامريكية في جدة،‮ ‬ان عليه بعد رحيل السوفيت من افغانستان ان يتبني الجاهلية،‮ ‬والتخلف المذهبي والتعصب الهذياني وان يزرع الموت والدمار والخراب في أي مكان تصل اليه يده‮.‬
وفي ‮١١ ‬سبتمبر عام ‮١٠٠٢ ‬قتل بن لادن ثلاثة آلاف من الابرياء في برجي التجارة في نيويورك كما قتل الكثيرين في الطائرات التي استخدمها في الاعتداءات وقتل الكثيرين،‮ ‬بعد ذلك،‮ ‬في افريقيا،‮ ‬وتسبب في موت اكثر من مليون عراقي ومئات الآلاف في افغانستان وباكستان‮... ‬كما لو كان‮ »‬بن لادن‮« ‬قد أعطي للولايات المتحدة الامريكية الضوء الأخضر،‮ ‬الذي كانت تنتظره،‮ ‬لكي تفعل بنا ما تشاء،‮ ‬وترتكب من الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب ما لم يكن في استطاعتها ارتكابه قبل ‮١١ ‬سبتمبر ‮١٠٠٢.‬
‮< < <‬
من البداية‮.. ‬كان أسامة بن لادن قد توجه الي العنوان الخطأ عندما ذهب الي افغانستان لكي يقاتل ضد الاحتلال السوفيتي،‮ ‬كما يقول الكاتب اللبناني طلال سلمان‮.. ‬فقد كان ولا يزال لدينا منذ اكثر من ستين سنة احتلال استيطاني يقتلع شعبا من جذوره ويشرده في أركان الارض،‮ ‬ويعتدي علي كل جيرانه‮.‬
ولكن أسامة بن لادن لم يقم بمجرد عملية واحدة ضد اسرائيل والاسرائيليين‮.. ‬كل ضحاياه من المدنيين الابرياء‮.. ‬وكل نشاطه يقتصر علي القتل الجماعي للبشر بلا تمييز ودون ذنب ارتكبوه‮.‬
الآن يقول الداعية‮ »‬محمد حسين يعقوب‮« ‬ان بن لادن‮ »‬كان اشجع الناس ورمزا للشرف والبطولة‮«!! ‬ولكن بن لادن واتباعه من اعضاء تنظيم‮ »‬القاعدة‮« ‬لم يعرفوا الطريق الي العدو الاسرائيلي،‮ ‬ولو مرة واحدة،‮ ‬وانما قتلوا العراقيين والأفغان والباكستانيين وأهل اليمن والسعودية والمغرب العربي واندونيسيا قبل أن يفكروا في قتل جنود الاحتلال الامريكي‮.‬
وقد وجدت امريكا واسرائيل الفرصة لوضع العرب والمسلمين في قفص الاتهام‮. ‬وأصبح كل عربي أو مسلم مجرد مشروع ارهابي‮.. ‬وبذريعة‮ »‬غزوة مانهاتن‮«‬،‮ ‬وهي التسمية التي اطلقها‮ »‬بن لادن‮« ‬علي اعتداءات ‮١١ ‬سبتمبر ‮١٠٠٢‬،‮ ‬قامت الولايات المتحدة بغزو ثلاث دول وتدميرها هي افغانستان والعراق وباكستان‮. ‬تعرض العرب والمسلمون لابتزاز مستمر من جانب الحكومات الامريكية لكي يقدموا التنازلات التي تثبت انهم ليسوا‮ »‬ارهابيين وعنصريين‮«.. ‬وفقدوا حتي استقلالهم الشكلي،‮ ‬وتعرضوا للتدخل في شئونهم الداخلية وأنظمتهم التعليمية وكل مناحي الحياة‮.‬
واضطر العرب الي تقديم شهادات حسن سير وسلوك‮ -‬بصورة منتظمة‮- ‬للامريكيين وتسابقوا لاسترضاء واشنطن‮.. ‬واسرائيل ايضا‮.. ‬وتحولت المقاومة الفلسطينية‮ -‬بعد ‮١١ ‬سبتمبر ‮١٠٠٢- ‬وحركات التحرر الوطني في أي مكان في العالم إلي‮ »‬عمل ارهابي‮« ‬في نظر الامريكيين والاسرائيليين‮.‬
وقد قرر الاسرائيليون الاستفادة الي أقصي حد ممكن من تداعيات ‮١١ ‬سبتمبر،‮ ‬واعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي‮ »‬ارييل شارون‮« ‬في ذلك الوقت ان هناك‮ »‬بن لادن الفلسطيني‮«.. ‬وكان يقصد الزعيم ياسر عرفات‮!‬
لقد جلب بن لادن علي الأمة العربية كل الويلات الامريكية والاسرائيلية‮.. ‬فقام شارون باعتقال عرفات في‮ »‬المقاطعة‮« ‬ودمر البني التحتية للسلطة في الضفة الغربية وقطاع‮ ‬غزة،‮ ‬واجتاح المدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية في عملية‮ »‬السور الواقي‮«‬،‮ ‬وارتكب المجازر في مخيم‮ »‬جنين‮« ‬وغيره‮.‬
لقد أعطي بن لادن لامريكا تفويضا سياسيا لتقتل دولا وشعوبا وحركات تحرر‮.‬
وأصبحنا‮ -‬نحن‮- ‬ضحايا امريكا واسرائيل وبن لادن‮.‬
ودفع العرب فاتورة عمل لم يرتكبوه‮.‬
وقبل أن يموت بن لادن‮.. ‬كان اكثر من مليون عربي قد ماتوا بعد ان اصبح الشعار الفعلي لامريكا‮: »‬لا عرب بعد اليوم‮« ‬وأصبح الشعار الفعلي للحكومات الاسرائيلية‮ »‬لا فلسطين بعد اليوم‮«.‬
‮< < <‬
تنظيم القاعدة عبارة عن فرقة تشبه الخوارج أو‮ »‬الحشاشين‮« ‬وتشكل‮ -‬مثلهما‮- ‬فضيحة في التاريخ الاسلامي‮.‬
وقد تفوق بن لادن في صناعة الحدث اللامعقول،‮ ‬وفي نسف الابنية والسفارات والمساجد‮ »‬اثناء الصلاة‮«‬،‮ ‬وفي تسهيل مهمة الامريكيين في‮ »‬فبركة الادلة‮« ‬لتبرير‮ ‬غزو الدول واحتلالها وتدميرها ونهب ثرواتها،‮ ‬وتسريح جيوشها واطلاق الفتنة الطائفية والمذهبية بين ابنائها،‮ ‬وايجاد اكبر عدد مكن من النساء الأرامل والأطفال اليتامي‮.‬
وقد قسم‮ »‬بن لادن‮« ‬العالم الي فسطاطين‮: ‬فسطاط الايمان وفسطاط الكفر،‮ ‬تماما كما قسم الرئيس الامريكي السابق جورج بوش الابن العالم إلي معسكر‮ »‬الخير‮« ‬ومعسكر‮ »‬الشر‮«. ‬واثبت اصحاب هذا الفكر انهم أشد شراسة في تكفير كل من خالفهم الرأي واشد وحشية من هولاكو وجنكيز خان‮.. ‬فهم لم يوجهوا سلاحهم‮.. ‬إلا‮.. ‬إلي الأبرياء‮.‬
ومن قاموا بتجنيد اسامة بن لادن‮.. ‬واستخدامه هم الذين يتفاخرون اليوم بأنهم قاموا بتخليص العالم من الفكر التكفيري‮! ‬وكانت كلمة السر في المعسكرين‮ »‬بن لادن وامريكا‮« ‬هي تكفير الخصوم‮!‬

No comments: